كلمة السيد وزير العدل بمناسبة ندوة التمرين طنجة

29 يونيو, 2018

> <

الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه

حضرات السيدات والسادة،

أشعر بسعادة خاصة بحضوري بينكم اليوم لأشارككم فعاليات افتتاح أيام الاعراف والتقاليد، وأشاطرَكم التأمل في دلالة شعارها ورمزية العنوان الذي اتخذتموه مدخلا إلى هذه الايام بربطكم بين المحاماة  وسمو الاخلاق ونبل الرسالة وإنسانيتها، و النَهْل مما تزخر به هيئتكم من تجربة تراكمت جيلا بعد جيل إلى أن استقرت على أعراف مَرْعِيَة و تقاليدَ مُتَّبَعَة، و غَدَت تُراثا تتوارثه أفواج المحامين ، ينقله القُدماء إلى الحُدَثاء، ويُوصي به النقباء ويلتزم به الممارسون لهذه المهنة النبيلة التي هي " ... عريقة كالقضاء، مجيدة كالفضيلة، ضرورية كالعدالة... و تجعل المرء نبيلاً عن غير طريق الولادة، غنياً بلا مال، رفيعاً دون حاجة إلى لقب، سيداً بغير ثروة."

ولا يفوتني بهذه المناسبة أن أشكركم السيد النقيب على جميل دعوتكم، والتوجه من خلالكم إلى كافة السيدات المحاميات والسادة المحامين المحترمين بخالص الأَماني راجيا لهيئتكم المزيد من الازدهار والترقي والاستمرار على هَدْيِ التقاليد الراسخة التي نَقَشْتُموها بِجِدٍّ وَ كَدٍّ على الصخر من أجل نُصرة المظلومين، وإغاثة الملهوفين، و إِرجاع الحقوق إلى مُستحقيها و الـمُسْتَلَبَات إلى مالكيها.

حضرات السيدات والسادة،

تجابه مهنة المحاماة تحديات شتى، و تعيش في بعض لحظاتها مدا وجزرا بين سواد أعظم متشبث بالأصول معتز بالتقاليد، متمسك بقدسية الأعراف          و حالات معزولة تثير للأسف الشديد تساؤلات حارقة حول  ما يترصد المهنة من بعض الممارسات التي وجدنا أن السادة النقباء يبادرون إلى مواجهتها بالحزم اللازم، والتذكير المستمر بضرورة تصفية المهنة من كل ما من شأنه المس بالصورة الجميلة المرتسمة في أذهان الناس عن المحامي، باعتباره لسانا ناطقا بالحق منافحا عنه.

تلكم الصورة التي يزيدها جمالا وإشراقا  الانسجام الحاصل بين الدفاع والقضاء، والاحترام المتبادل بينهما بما يوفر للقضاء هيبته في النفوس، ويضمن للمحامي الذود عن حقه في توفير محاكمة عادلة لموكله.

إن المحاماة لم تكن يوما ولا ينبغي لها أن تكون علاقةَ من يقدم خدمته لزبون، لأننا لو اعتمدنا هذا المعيار لَغَدت المصلحةُ هي الضابط الذي يحدد تلكم العلاقة، ولَصَار الربح هو القصد و الغاية، ولَمَا صار للتطوع والمساعدة القضائية أي معنى، بل لانتفى عن المحاماة طابعُها النبيل الذي شَرُفت به بين المهن.

 إن المحاماة كما نتصورها، هي في الاساس تشبث بالحق، و استحضار للضمير ودفاع عن الحقيقة، و نصرة للمظلوم، والتجرد من النوازع و هي في النهاية كما ورد في شعاركم : أخلاق سامية ورسالة إنسانية.

أخلاقٌ ساميةٌ لأن من يدافع عن الحق لا يمكن إلا أن يكون متحليا بمكارم الاخلاق، ورسالة انسانية لأن المحامي وهو يمارس المهنة يستنير بحسه الانساني،  و يتسامى في استشعاره لقيم العدل والانصاف من أجل أن يُؤخذ على يد الظالم فيُردع عن الاعتداء على من ضَعُفت قوته، وقَلَّت حيلته، و قَصُرت وسيلته.

وقد راقني، و أنا اتصفح مُلصق الدعوة المُعَدّ بمناسبة هذه الايام، ما ورد فيه من كريم قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام حينما سأل النبوة لأخيه هارون فقال:"  اُشْدُدْ به أَزْرِي وَ أَشْرِكْهُ في أَمْرِي "

 فأنتم تَشُدُّون أزر الموكلين الذين يقصدونكم ليشركوكم في الدفاع عنهم، واضعين ثقتهم فيكم، مستنصرين بكم.

حضرات السيدات والسادة،

كلما التقيت بالسادة المحامين و بنقبائهم وبرئيس جمعية هيئاتهم الذي أكن لهم جميعا كل التقدير، إلا  وآنَسْتُ فيهم حرصا على الارتقاء بشؤون المهنة،       و استعداداً للتعاون بما يتيح تنزيل مقتضيات الاصلاح الذي لا يمكن بلوغه دون إعادة النظر فيما يلزم من مقتضيات ظلت لفترة طويلة عَصِيَّةً على التغيير، رغم أن تطويرها أصبح أمرا لازما لارتباطها العضوي بمنظومة العدالة.

فمهنة المحاماة تحتاج منا جميعا إلى تظافر الجهود من أجل  أن نُحْيِــــــــــيَ فيها عزما أكيدا، و  نشاطا جديدا، دون إخلالٍ بالأعراف الموروثة والتقاليد التي تُؤَسِّسُ لِبَــــهَاءِ المهنة ورَوْنَقِها، و تحفظَ هَالَتَهَا من الابتذال الذي يتربص بها وبباقي المهن القضائية.

وإنَّ كل ما تراكَمَ عبر السنين من ممارسات فضلى يتيح لنا اليوم الحديث عن المحاماة باعتبارها تراثا ينبغي الاعتناء به و السهر على شؤونه، فلو أردتَ أن تحكم على مدى تجذر مبادئ الحرية في بلدٍ ما،  فَلْتَنظر إلى وضعية المحاماة فيه، لذلك فنحن عازمون على أن ننهض بهذا الإرث الحقوقي تشريعا وتكوينا، تخليقا وتحصينا، و لِيَ اليقين أننا سنجد فيكم، السيد النقيب ، وفي باقي السادةُ النقباء ، و كافة السيدات المحاميات والسادة المحامين ، نِعْمَ العون، ونِعْمَ السَنَد من أجل الوفاء بهذه المهمة الجسيمة.

نَعَم، لقد تواصلت وزارة العدل مع مجموع هيئات المحامين من خلال الجمعية التي تمثلها، وتمت لقاءات عديدة مع رئاستها وأعضاء الجمعية وتمت بلورة جملة من التصورات التي تتوخى إعادة النظر في بعض مقتضيات القانون المنظم للمهنة، و النظر في كيفية إعداد المحامين المتمرنين وتكوينهم تكوينا متينا، يتيح لهم الولوج إلى عالم المحاماة الفسيح مُزَوَّدِين بالعُدَّةِ والعتاد اللازمين، و وزارة العدل ماضية في الوفاء بما التزمت به، و مكتب الوزير مفتوح على الدوام للإنصات إلى هموم المحاماة و معالجة مشاكل المهنة بما يعود بالنفع على منظومة العدالة ككل، بل إنني أدعوكم إلى مزيد من الاجتهاد في بلورة التصورات الكفيلة بالارتقاء بالمهنة و النهوض بأوضاعها، و ثقوا أننا في وزارة العدل لن نتوانى عن تبني كل ما هو بَنَّاءٌ ومعقولٌ وما تتجلى منه إرادة الاصلاح وخدمة الصالح العام.

 

حضرات السيدات والسادة:

إن الظرفية الراهنة التي تشهد استقلالا مؤسساتيا للسلطة القضائية وللنيابة العامة عن وزارة العدل، تطرح علينا تحديات كبيرة  لا شك أنكم تستشعرون ثِقْلَهَا وتستحضرون عِظَمَهَا.

والمحاماة لا تقل استقلالا عن القضاء، فالمحامي ظل على الدوام حرا في إبداء رأيه وفي إلقاء مرافعته، لا يمنعه من ذلك جُبْنٌ ولا يحول بينه وبين أداء رسالته خوف.

والأجمل من ذلك، كما دأبت على التأكيد، أن هذا الاستقلال لم يكن أبدا باعثا على الشطط أو التمادي في الباطل، بل ظلت المحاماة على الدوام تنظر الى القضاء بتبجيل، و إلى أحكامه باحترام، حتى ولو خالفت تلكم الاحكام مطالبها، وهذا الاستقلال المرن الحكيم المتزن هو في الحقيقة  مصدر قوة المحاماة، وأحد أبرز تقاليدها في التعامل مع سلطة القضاء الذي استطاعت بفضله أن تكون العنصر المكين وسط هذه المعادلة الصعبة.

حضرات السيدات والسادة:

إن زمن المحكمة الرقمية آت لا محالة، نراه ماثلا في الافق، ونحن نقترب منه آنا بعد آن لنتمكن عند بلوغه من:

- إعطاء إمكانية لكل محامي من التوفر على مكتب افتراضي لتدبير القضايا الخاصة به وذلك عن طريق فتح حساب على المنصة بطلب منه؛

- استعمال حساب مؤمن بقن سري والولوج إليه كل مرة بتأكيد الهوية عبر نظام الرسائل القصيرة؛

- تسجيل الدعوى وتقديم المقالات والمذكرات ومختلف الطلبات والعرائض ومرفقاتها أمام كافة محاكم المملكة عن بعد مع الأداء الإلكتروني والحصول على الوثائق المثبتة لذلك؛

- التبادل الالكتروني للوثائق بين المحامين والمحكمة  مع تأكيد صحتها بواسطة التوقيع الإلكتروني؛

- الأرشفة الإلكترونية لمساعدة السادة المحامين على تخزين أتوماتيكي لملفاتهم والاطلاع  عليها عن بعد أينما وجدوا وفي أي وقت؛

-التوصل اختياريا بالتبليغات والإشعارات الالكترونية  وذلك في انتظار اعتماد هذه الآلية رسميا من طرف المشرع في مشروع قانون المسطرة المدنية؛

ولي اليقين أنه بما عهدناه في السادة المحامين من قدرة على التطوير الذاتي، فسنتمكن جميعا من كسب هذا الرهان الذي يهدف بالأساس الى خدمة المحامي وإعفائه من مشقة الاجراءات و عناء التنقل بين المصالح، مع ما يتطلبه ذلك من وقت وجهد.

حضرات السيدات والسادة،

لا تزال المحاماة بخير ما تَشَبَّثَت بأعرافها، وما آمنت بنُبْل وإنسانية رسالتها،

و لا تزال المحاماة بخير، ما توارثت أجيالُها تلكم الأعراف، و تناقلتها كَإِرْثٍ ثمينٍ يُخشَى عليه من الاندثار.

وأبدا لن يندثر ما دام فيكم وبينكم من يحرصون على حمل المشعل، والمضي به قدما من أجل إنارة الدرب للسالكين فيه من المحامين الجدد والمتمرنين المستأمنين عليه في مستقبل الايام.

........................ وفقكم الله لحمل الامانة و تبليغها مَصُونَةً مُحَصَّنَةً، تَحُفُّهَا أخلاقيات المهنة  وتَلُفُّهَا آدابها.

و كتب لأيامكم هذه موجبات الفلاح و لأعمالكم أسباب النجاح.

وأجدد شكري لكم السيد النقيب على حسن الوفادة وحفاوة الترحاب.

                                                                  والسلام عليكم ورحمة الله