كلمة السيد وزير العدل الأستاذ محمد أوجار بمناسبة تخرج الفوج 41 من الملحقين القضائيين

16 ماي, 2018

> <

بسم الله الرحمن الرحيم

 

السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية،

الرئيس الاول لمحكمة النقض........................................................................................

السيد رئيس النيابة العامة، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض............

لسيدات والسادة أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية............................

السادة رؤساء الغرف بمحكمة النقض........................................................

السادة المسؤولون القضائيون...................................................................

السيدات والسادة أساتذة المعهد................................................................

السادة مسؤولو الجمعيات المهنية للقضاة..................................................

السادة رؤساء كل من جمعية هيئات المحامين بالمغرب والمجلس الوطني لهيئة الموثقين بالمغرب والهيئة الوطنية للعدول والهيئة الوطنية للمفوضين القضائيين................................................................................................

حضرات السيدات والسادة أعضاء الفوج الحادي والاربعين...........................

 

 

 

 

حضرات السيدات والسادة

تغمرني اليوم سعادةٌ بالغةُ وأنا أحضر هذا الحفل الكريم الذي يشهد تخرج الفوج الحادي و الاربعين  من الملحقين القضائيين  الذين سيعهد إليهم عما قريب بمباشرة أداء رسالة جليلة شريفة، ومهمةٍ ساميةٍ مُنيفة، ألا وهي الفصلُ بين الناس  بالحق والحكمُ بينهم بالعدل  مصداقا لقول الله عز وجل ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا. ) سورة النساء: الآية 58.

إن حياة الانسان عبارةٌ عن محطات يَجْدُرُ به كلما بلغ إحداها أن يقف متفكرا متدبرا، متسائلا عما أنجزه في ماضيه وما أعده في مستقبله، تساؤلا يصحح به المسار إن هو أخطأ السبيل أو يمضي قُدُما فيه إن وجد نفسه ماضيا في طريق الصلاح والاصلاح.

ولا شك أن المحطة التي بلغتموها اليوم، بعدما كنتم بالأمس القريب ملحقين قضائيين وصرتم اليوم متقلدين مهمة القضاء الجسيمة،  تفرض عليكم الوقوف وِقْفَةَ المُتَأَمِّل في ما أنتم مقبلون عليه من تحمُّلٍ لأمانة ناءت بحملها الجبال ، وتفرض عليكم استحضار ما ينبغي أن يتحلى به القاضي من خصالٍ وأخلاقٍ فضلى، وشِيَمٍ مُثْلى، فتعلموا أنه عليكم أن  يتسع صَدْرُكم لما تضيقُ به صدور الناس، وتضيقَ ذِمَّتُكم بما تتسع له ذممُ الناس. وأن تكونوا ذوي سيرةٍ محمودةٍ، ودماثةٍ مشهودةٍ، وسكينةٍ معهودةٍ، ونفسٍ شريفةٍ، وعفةٍ مألوفةٍ، متسمين بكمال الورَع، مُنزَّهين عن الطمع،

 

 

مُتَرفِّعين عن مُلابسة الرذائل ومخالطة الأراذل، أشداء من غير عُنْف، لَيِّنِينَ من غير ضَعْف.

وأن تفهموا إذا أُدلِيَ إليكم, وتُنَفِّذوا إذا تَبَيَّن لكم ، وأن تُؤَاسُوا بَينَ الناسِ في مجلسكم, وفى وجهكم وقضائكم , حتى لا يطمع شريف في حيفكم , ولا يَيْأس ضعيف من عدلكم.

وأن تسهروا على إنصاف المتقاضين و تُؤْثِرُوا راحتهم على راحتكم، و تقدموا مصلحتهم على مصلحتكم، وأن تسارعوا إلى ايصال  الحقوق إليهم بالفصل في قضاياهم داخل آجال معقولة، حتى لا يداخلهم في حيادكم ريب، ولا يساورهم في نزاهتكم شك.

معشر السيدات والسادة:

إن قضاءنا اليوم يتشوف إلى قضاة نزهاء شرفاء، ليتسلموا المشعل ممن سلف وينيروا به دروب العدالة، ويُسْهموا في بناءِ صَرْح هذا الوطن بإشاعة قيم العدل ومُثُل الحق بين الناس.

وإنَّ تَخَرُّجَ هذا الفوج لَيأتي في سياق تشهد فيه العدالة في بلادنا مسارا إصلاحيا تمخض عنه الاستقلال المؤسساتي للسلطة القضائية و لرئاسة النيابة العامة، و تم عبره تحصين القضاء من كل تأثير غير مشروع، ومَنحُه كل الضمانات الدستورية والقانون ليضطلع بدوره في تجرد            و استقلال، و حرية لا يحدها سوى الالتزام بالقانون وتطبيقه التطبيق السليم.

 

فلكم أن تفخروا أنكم أول فوج يولد من رحم هذا المخاض، وأنكم أول من نهل في تكوينه من قيم الاصلاح المنشود الذي تفتق عن إرادة صاحب الجلالة، نصره الله، الذي وضع تصوره ورسم مساره، وعَبَّدَ طريقه، وأشرف على تنزيله وضمن نجاحه.

و لإيماننا الراسخ بأن رهان الاصلاح مرتبط بجملة من الشروط الموضوعية، على رأسها التكوين الأساسي لأبنائنا من الملحقين القضائيين الذين هم أملُ قَضَاءِ المستقبل، وحَمَلة مِشْعَلِ العدالة في عالم الغد، أولينا في وزارة العدل لهذا التكوين أهمية بالغة، وأعطيناه  عناية خاصة، يترجمها الحرص على اختيار ملحقين قضائيين يشكلون بَذْرةً طبيةً صالحةً لتحقيق الآمال المعقودة عليهم  وبلوغ الغايات المنشودة فيهم، وصولا إلى  جعلها أساسا لاختيار قضاة متميزين، مكونين علميا وعمليا، و مؤهلين نفسيا واجتماعيا لولوج مهنة القضاء .

وقد تم الحرص في هذا الإطار على وضع استراتيجية مستقبلية لإنماء القدرات المؤسسية لمنظومة العدالة، من خلال توفير مؤسسات قادرة على تأهيل مختلف العاملين في هذه المنظومة، وعلى رأسهم الملحقون القضائيون، وكذا تحسين شروط الولوج إلى مهنة القضاء وضمان جودة التكوين الاساسي فيها، والنهوض بمستوى التكوين المستمر، وتوسيع مجال التكوين المتخصص،

وفي هذا الإطار شهد المعهد العالي للقضاء مراجعة شاملة لبرامجه على مستوى تكوين القضاة والمنتسبين للمهن القضائية، ونسعى إلى بلورة مشروع يتعلق بإنشاء مدرسة وطنية لكتابة الضبط.

ففي إطار التعاون مع الاتحاد الأوروبي، وبشراكة مع مختلف الفعاليات المعنية، ينفذ المعهد حاليا مشروع "دعم الإصلاح المؤسساتي وتقوية قدرات المعهد العالي للقضاء" وذلك من خلال عقد توأمة المعهد العالي للقضاء مع مؤسسات قضائية أوروبية وازنة تتمثل في المدرسة الوطنية للقضاء بفرنسا والمجلس العام للسلطة القضائية بإسبانيا والمرفق العام الفدرالي ببلجيكا. ويهدف هذا المشروع إلى تحقيق الهدف الاستراتيجي المتعلق بالتأهيل المؤسسي للمعهد العالي للقضاء من أجل احتضان الجودة، وتحقيق الاحترافية والتميز في مجال التكوين القانوني والقضائي، لفائدة الوافدين الجدد من الملحقين القضائيين.

ولأن رحلة القضاء الطويلة، تبدأ بالتكوين الاساسي الذي يتلقاه الملحقون القضائيون بالمعهد، فقد سهرنا على مواكبة ورش بناء مقر جديد لهذه المؤسسة المُحْتَضِنَة، التي ستكون عبارة عن مُرَكَّبٍ ضخم يستجيب لمتطلبات التأهيل القضائي المعاصر، ويوفر بنية تحتية بيداغوجية حديثة تمكن من ضمان الظروف المادية والمعنوية الملائمة للتكوين، وهو مقر نسعى إلى افتتاحه في غضون الأشهر القليلة المقبلة.

حضرات  السيدات والسادة:

إن الحاجة تدعو إلى إعداد أفواج جديدة باستمرار لضخ دماء جديدة في الجسم القضائي، ولنحافظ على رهان الاستجابة للمعايير المعمول بها دوليا في يتعلق بعدد القضاة قياسا إلى عدد الساكنة.

ولا يخفى أن الزيادة في الموارد البشرية هي وسيلة من أجل خلق فضاء من العمل الجاد والمسؤول الذي به سنتمكن من إنجاز الأهداف الكبرى للإصلاح وعلى رأسها النجاعة القضائية ومعالجة زمانة الملفات والقضايا

 

والحيلولة دون تكدسها وتراكمها، تفاديا لبطء العدالة الموازي لانعدامها.

إننا نعقد  آمالا كبيرة على هذا الفوج الذي كتب له أن يتخرج في مرحلة تعرف زخما تشريعيا متميزا،  لنا أن نذكر منه المسطرة الجنائية، والقانون الجنائي والمسطرة المدنية، و أنتم معشر الملحقين القضائيين ستدعون، كباقي زملائكم،  عما قريب إلى تطبيق مقتضيات هذه القوانين بعد اكتمال مسارها التشريعي، في ارتباط وثيق بشق آخر من أوراش الاصلاح آلا وهو ورش التحديث ، الذي نعتبره  خيارا استراتيجيا ، وأداة محورية للنهوض بالإدارة القضائية وتطوير أساليبها، لذلك جعلنا من التحديث والرفع من البنية التحتية للمحاكم أولوية في برامج وزارة العدل، لما لذلك من أثر بالغ على موضوع النجاعة القضائية، والرفع من أداء المحاكم، وتحسين ظروف العمل والاستقبال. وإننا لنتتبع، وبحرص شديد، أوراش النهوض ببنايات المحاكم، واستكمال مقومات مشروع المحكمة الرقمية، وتكثيف استغلال التكنولوجيا الحديثة في عمل القضاء والمهن القضائية، لا سيما فيما يتعلق بالتبادل الالكتروني للمذكرات و الوثائق والمستندات  المنصوص عليه في صلب القوانين المستقبلية للمسطرتين المدنية والجنائية، وأغتنم هذه المناسبة للتأكيد على الرؤية المشتركة التي تجمعنا بالمجلس الاعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة في هذا الخصوص، و التي تشكل ضمانا فعليا للانخراط الصادق والفعال في هذا المسار الذي يعتبر أحد أهم محاور الاصلاح.

 

 

 

حضرات السيدات والسادة القضاة الجدد:

إن السير في الطريق الذي اخترتم سلوكه ذُلُلا، لَيُحتم اعتبار استقلال القاضي تكليفا يباشره هذا الأخير لفائدة الناس والمجتمع ، واستقلال القاضي لا يمكن أن يتحقق إلا إذا سَلِمَ من الهوى والتزم في أحكامه بالحق، وأدى الذي عليه، وراعى الله في قضائه دون مَيْلٍ لِذِي جاهٍ أو خوفٍ من ذي سلطانٍ أو إعجابٍ بالنفس أو تهاونٍ في حقوق الناس، كما أن استقلاله لا يتم إلا بِنَأيه عن تلاوين الانتماءات الحزبية والمذهبية الضيقة، وعدم السماح للغير باتخاذه مطية لقضاء مآرب شخصية ، لأن الضامن لذلكم الاستقلال دستوريا هو جلالة الملك حفظه الله ، والمسؤول عن تطبيق ذلكم الضمان هو المجلس الأعلى للسلطة القضائية،.

إن ما يحق للقاضي أن يفخر به إذ تباهى غيره بكثرة الضِّياع  ووفرة المتاع هو هيبته التي تملأ النفوس،  وسَمْته الذي يجعله مبجلا في مجلس القضاء، يقولُ فيُسْمع، ويأمرُ فيُطاع، ويُعطي هذا ويمنعُ ذاك،  ويَرُدُّ على الناس أموالهم، ويُنصفهم في مَظَالمِهم، ويكفُّ الأذى والضررَ عنهم،  ويَجعلُ الضعيفَ قويا حتى يأخذ الحق له، ويجعلُ القوي ضعيفا حتى يأخذ الحق منه، ويُشيع العدل  ويُفشي الأمن في النفوس،  وهو في كل ذلك نَائِبٌ عن الإمام الأعظم في إصدار الأحكام أو وَكيلٌ عنه في الحق العام، ولذلك فهو ليس كغيره من الناس وإن كان منهم ، ولا أدل على خطورة منصبه من تعيينه بالظهائر الشريفة.

ولا اريد أن تفوتني هذه المناسبة دون أن أوفي الساهرين على سير المعهد العالي للقضاء حقهم، وعلى رأسهم السيد المدير العام، الذي عودنا دائما على التميز في الاداء، والاقتدار في العطاء، والكفاءة في التدبير و النجاح في التسير، شاكرا له حسه الوطني، و شعوره بجسامة المسؤولية، وحرصه على الوفاء بما أوكل إليه من مهام، والشكر أيضا إلى كل المجندين خلفه من أجل سقاية هذه البذور الطيبة، التي أَخرجت اليوم شطأها و استوت على سُوقها.

والشكر موصول إلى الاساتذة والمربين الذين كَوَّنُوا وعَلَّمُوا ورَبَّوْا على قِيم القضاء ومُثُله، وزرعوا في نفوس الملحقين القضائيين حُبَّ الحق ولقنوهم أصول الانتصار له ولأهله.

وفي الختام، فإننا ونحن نشرف على حفل تخرُّجكم معشر القضاة الجدد، لا يساورنا أدنى شك في أنكم ستقومون بالرسالة المُوكَلَة اليكم أحسن أداء وأنكم ستكونون بإذن الله خير خلف لخير سلف، فالمُعول عليكم مستقبلا إلى جانب السادة القضاة الذين سبقوكم في ولوج مهنة القضاء، أن تِؤَمِّنوا التنزيل الحقيقي للمكتسبات التي راكمتها أوراش الاصلاح.

كما يؤمل فيكم أن تسيروا على هدي هذا الإصلاح وتقتفوا آثاره، وتذبوا عن حومته بموجب ما تقلدتم من مسؤولية جسيمة تخولكم الحكم في أموال الناس وأنفسهم وبرا بالقسم الذي ستؤدونه " للقيام بمهامكم بوفاء وإخلاص والحفاظ كل المحافظة على سر المداولات والسلوك في ذلك كله مسلك القاضي النزيه المخلص ".

فكونوا رعاكم الله عند حسن ظن صاحب الجلالة محمد السادس نصره الله، وفي مستوى الثقة التي خلع عليكم رداءها، والمسؤولية التي حَمَّلَكُم إياها.

 

 

وفقكم الله لاقتفاء أثر الحق والحكم بموجبه، وأنار لكم سبيل الرشاد للفصل بين العباد، وألهمكم إلى العمل بما يحقق الأمل .

 

 (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)

                                                                          صدق الله العظيم.

                                          والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.