القضاء في خدمة المواطن

IMG-20260928-WA0001

أبو ظبي – 28 شتنبر 2026

 

عرضت المملكة المغربية، خلال الجلسة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية المنعقد بأبو ظبي، تجربتها الوطنية في مجال منع الجريمة، وذلك في مداخلة للسيد هشام ملاطي، مدير الشؤون الجنائية والعفو ورصد الجريمة بوزارة العدل، باسم الوفد المغربي، ضمن محور «وضع استراتيجيات مبتكرة لمنع الجريمة قائمة على الأدلة دعما للتنمية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية».

وفي مستهل مداخلته، أكد السيد ملاطي التزام المملكة المغربية وإرادتها الراسخة في إيلاء موضوع منع الجريمة ما يستحقه من عناية، باعتباره مدخلا أساسيا للتصدي للظاهرة الإجرامية، يقوم على بعدين متكاملين: الرصد الاستباقي للجريمة من جهة، والحد من حالات العود من جهة أخرى. وأوضح أن الاستجابة الجنائية بالمملكة ترتكز على جملة من المداخل المتكاملة، في مقدمتها الاستجابة القائمة على الأدلة، والمقاربة المتمحورة حول الإنسان، والتكامل مع السياسات العمومية، وإشراك المجتمع المدني.

 

المرصد الوطني للإجرام: آلية مؤسساتية لسياسة جنائية قائمة على الأدلة والبيانات

وفي هذا الإطار، استعرض السيد ملاطي تجربة إحداث المرصد الوطني للإجرام، بوصفه آلية مؤسساتية تعنى برصد الظاهرة الإجرامية وتحليلها، بما يوفر للسلطات المعنية قاعدة معرفية موثوقة لبلورة السياسة الجنائية وتقييمها.

وأبرز أن المرصد يعتمد مقاربة تشاركية تجمع مختلف المتدخلين ضمن فريقي عمل تقني وعلمي، يضمان المؤسسات القضائية في شخص رئاسة النيابة العامة والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ومصالح الأمن الوطني والدرك الملكي، إلى جانب ممثلي عدد من القطاعات والمؤسسات والهيئات، من بينها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها والهيئة الوطنية للمعلومات المالية. كما ينفتح المرصد على محيطه الأكاديمي من خلال شراكات مع الجامعات الوطنية، بما يعزز إسهام البحث العلمي في صناعة القرار الجنائي.

وأوضح أن المرصد أنجز إلى حدود اليوم مجموعة من الدراسات حول الجريمة بالمغرب، انطلاقا من منظور وطني يراعي خصوصيات الظاهرة الإجرامية، التي تختلف محدداتها وأسبابها من بلد إلى آخر، مع الاستناد إلى المؤشرات المعتمدة على المستوى الدولي. ويستفيد المرصد في ذلك من توفر المؤسسات الوطنية القضائية والأمنية على وحدات مختصة في جمع المعطيات المتعلقة بالظواهر الإجرامية وإحصائها وتحليلها، بما ييسر توفير المعطيات والمعلومات اللازمة.

وفي سياق تعزيز أدوات التحليل، أشار السيد ملاطي إلى أن العمل جار على تنزيل الخريطة الإجرامية الوطنية، من خلال تطبيق معلوماتي يتيح التموقع الجغرافي للجرائم ورصد معدلات وقوعها على مستوى التراب الوطني، بما يدعم اتخاذ القرار في مجال العدالة الجنائية ويعزز استهداف تدابير المنع.

 

عدالة جنائية متمحورة حول الإنسان

وفي انسجام مع البعد الاجتماعي لمحور الجلسة، أبرز السيد ملاطي أن الاستجابة الجنائية بالمغرب تنبني على مقاربة متمحورة حول الإنسان، ضحية كان أو مرتكبا للجريمة، تجعل من صون الكرامة الإنسانية وضمان الحقوق غاية مركزية للعدالة الجنائية، وذلك من خلال تحيين المنظومة التشريعية الوطنية وإرساء إصلاحات مؤسساتية تخدم هذه الغاية.

وفي هذا الصدد، أشار إلى تعزيز المساعدة الاجتماعية داخل منظومة العدالة، إذ تتوفر المحاكم المغربية حاليا على ما يفوق 500 مساعدة ومساعد اجتماعي، يضطلعون بتقديم خدمات سوسيو-قانونية لمرتفقي العدالة، ولا سيما فئة الضحايا، بما يضمن مواكبتهم طيلة مراحل المسار القضائي. كما تم إحداث خلايا للتكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف، ومراكز لإيواء ضحايا الاتجار بالبشر ضمن الآلية الوطنية لإحالة الضحايا، بما يكرس البعد الحمائي للعدالة الجنائية ويعزز ثقة الضحايا في مؤسساتها.

ويستند هذا التوجه إلى إطار تشريعي عزز الحماية الجنائية للفئات في وضعية هشاشة، لا سيما القانون رقم 27.14 المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر، والقانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء.

 

برنامج «مصالحة»: نموذج مغربي متميز في الوقاية من التطرف والحد من العود

وتوقف السيد ملاطي عند برنامج «مصالحة» باعتباره نموذجا عمليا لتفعيل منع الجريمة في شقه المتعلق بالتأهيل وإعادة الإدماج بالحد من العود، وتجسيدا لمقاربة تتجاوز البعد الزجري إلى معالجة الجذور الفكرية والاجتماعية للتطرف. ويتعلق الأمر ببرنامج تأهيلي متكامل، أطلقته المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج سنة 2017 بشراكة مع الرابطة المحمدية للعلماء والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، يقوم على ثلاثة محاور: المصالحة مع الذات، والمصالحة مع النص الديني، والمصالحة مع المجتمع، وتواكبه برامج للتأهيل وإعادة الإدماج الاجتماعي.

وأفاد بأن عددا مهما من المستفيدين من البرنامج حظوا بالعفو الملكي السامي، بعد مراجعتهم لأفكارهم ومصالحتهم مع ذواتهم ومع المجتمع. ووفق معطيات مركز «مصالحة»، فقد تم تنظيم 20 دورة منذ انطلاق البرنامج سنة 2017، شارك فيها 456 نزيلا، ينضاف إليهم 24 نزيلا في الدورة الحادية والعشرين الجارية، ليبلغ بذلك مجموع المشاركين 480 نزيلا.

وسجل أن من أبرز نتائج هذه التجربة عدم تسجيل أي حالة عود في صفوف المستفيدين، فضلا عن خلو المؤسسات السجنية حاليا من النساء المدانات بموجب قانون مكافحة الإرهاب. ويأتي ذلك ثمرة لمقاربة النوع التي اعتمدها البرنامج، إذ استفادت منه 14 نزيلة تم الإفراج عنهن جميعا، آخرهن بتاريخ 24 غشت 2026، إثر عفو مولوي سام من صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، بعد مشاركتها في الدورة العشرين من البرنامج. وهو ما يعكس نجاعة المقاربة التأهيلية في الوقاية من التطرف العنيف.

 

تكامل السياسات العمومية وإشراك المجتمع المدني

وفي تجاوب مع جوهر محور الجلسة، الذي يربط منع الجريمة بمسارات التنمية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، شدد السيد ملاطي في ختام مداخلته على أهمية التنسيق بين الاستجابة الجنائية ومختلف السياسات العمومية، مؤكدا أن تحقيق أهداف المنع وفعالية المكافحة يظل رهينا بالتكامل بين العدالة الجنائية وباقي السياسات العمومية، باعتبار السياسة الجنائية، كما تؤكد ذلك الأدبيات الجنائية، جزءا لا يتجزأ من السياسات العمومية. وهو ما يستدعي مواكبة السياسة الجنائية بالموارد المادية والبشرية الكفيلة بتحقيق النجاعة والفعالية المنشودتين، بما يعزز انسجام تدابير المنع مع الأولويات التنموية.

كما أكد على أهمية إشراك المجتمع المدني في مجال منع الجريمة، بالنظر إلى الأدوار التي يضطلع بها في مجالات التحسيس والمواكبة وإعادة الإدماج، وإلى قربه من المواطنين، معتبرا أن إدماج مكونات المجتمع المدني يشكل شرطا أساسيا لتحقيق استجابة جنائية فعالة ومتكاملة.

ويعد مؤتمر الأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية، الذي ينعقد كل خمس سنوات، من أبرز المحافل الدولية في مجال منع الجريمة والعدالة الجنائية، إذ يشكل فضاء لتبادل التجارب والممارسات الفضلى بين الدول الأعضاء والمنظمات الدولية والإقليمية والخبراء، وإسهاما في رسم التوجهات الدولية الكبرى في هذا المجال.

وتنعقد الدورة الخامسة عشرة للمؤتمر بأبو ظبي بعد المؤتمر الرابع عشر المنعقد بكيوتو سنة 2021، الذي توج باعتماد إعلان كيوتو بشأن النهوض بمنع الجريمة والعدالة الجنائية وسيادة القانون: نحو تحقيق خطة التنمية المستدامة لعام 2030.

 

 

منشور له صلة

IMG-20260928-WA0001

المملكة المغربية تعرض تجربتها في مجال منع الجريمة القائم على الأدلة خلال الجلسة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية بأبو ظبي

إقرأ المزيد
IMG-20260927-WA0001

أبو ظبي.. المملكة المغربية تعلن تطلعها لاحتضان إحدى الدورات المقبلة لمؤتمر الأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية

إقرأ المزيد
IMG-20260925-WA0014

التعاون القضائي الدولي في صلب أشغال اجتماع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بالقاهرة

إقرأ المزيد