في إطار فعاليات المعرض الدولي للكتاب في دورته الواحدة والثلاثين، احتضن رواق وزارة العدل، يوم الاثنين 4 ماي 2026، لقاء علميا هاما تميز بحضور وتأطير كل من السيد محمد اليونسي، مدير الموارد البشرية بوزارة العدل، والسيد سعيد كضار، رئيس قسم التدبير التوقعي، خصص لموضوع “مرجعية الوظائف والكفاءات”. وفي مستهل هذا اللقاء، سلط السيد محمد اليونسي الضوء على الأهمية الاستراتيجية لهذا الورش، معتبرا أن تأهيل الرأسمال البشري يشكل المدخل الأساسي لإنجاح إصلاح منظومة العدالة، ومؤكداً أن اعتماد مرجعية الوظائف والكفاءات يعكس تحولا نوعياً في تدبير الموارد البشرية داخل القطاع، قوامه الانتقال من المقاربة التقليدية إلى حكامة حديثة قائمة على الكفاءة والنجاعة والشفافية.
وأوضح السيد المدير أن هذه المرجعية تندرج ضمن رؤية إصلاحية شمولية تسعى إلى تحديث الإدارة القضائية، عبر إرساء أسس واضحة لتدبير المسارات المهنية، وتثمين الكفاءات، وتحقيق الالتقائية بين متطلبات الوظائف ومؤهلات الموظفين. كما أبرز أن هذا المشروع يشكل إحدى الدعامات الأساسية لتنزيل مقاربة التدبير التوقعي للموارد البشرية، بما يمكن من استباق الحاجيات المستقبلية ومواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها القطاع، خاصة في ظل الرقمنة وتزايد انتظارات المرتفقين.
من جهته، أوضح السيد سعيد كضار أن مرجعية الوظائف والكفاءات تشكل أداة استراتيجية حديثة في مجال تدبير الموارد البشرية، مبرزاً أهميتها في مواكبة الإصلاحات العميقة التي يعرفها قطاع العدالة بالمغرب. كما استعرض السياق العام لإعدادها، ومختلف مراحل إنجازها، مؤكداً أنها ثمرة عمل تشاركي انخرطت فيه مختلف مكونات القطاع.
وتمت الإشارة في اللقاء إلى أن تدبير الموارد البشرية أضحى منذ بداية تسعينات القرن الماضي يحتل موقعاً مركزياً في مختلف الاستراتيجيات، سواء على مستوى القطاع الخاص أو العمومي، مبرزاً أن كفاءة العنصر البشري تظل المحدد الأساسي لنجاح أي منظومة. وأضاف أن الإدارة المغربية، وفي ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها محيطها، باتت مطالبة بتبني أدوات حديثة تمكنها من التكيف مع هذه التغيرات والتحكم فيها.
وفي هذا السياق، تم إبراز أن مرجعية الوظائف والكفاءات تقوم على تحقيق التوازن بين المهام المنوطة بالإدارة والكفاءات البشرية اللازمة لإنجازها، باعتبارها تمثل إطاراً منظماً يحدد بدقة الوظائف، والمسؤوليات، والأنشطة، إلى جانب الكفاءات المطلوبة لكل منصب. كما أن هذه المرجعية تضع حدا لأساليب التدبير العشوائي، وتعزز مبادئ الشفافية والوضوح في تنظيم العمل.
وبالتالي فإن وزارة العدل انخرطت في هذا الورش في إطار التوجهات الحكومية الرامية إلى تحديث الوظيفة العمومية، كما أن إعداد هذه المرجعية تم خلال الفترة الممتدة بين أبريل 2024 وماي 2025، بمشاركة مختلف الفاعلين من مسؤولين إداريين ورؤساء كتابات الضبط والنيابة العامة، فضلاً عن الشركاء الاجتماعيين.
كما أن الهدف من هذه المرجعية يتمثل في تمكين موظفي القطاع من التموقع المهني السليم، من خلال التعرف على مهامهم وكفاءاتهم ومقارنتها بمتطلبات الوظائف، إلى جانب توفير أداة موضوعية لتقييم الأداء ترتكز على النتائج المحققة. وهذه المقاربة تساهم في تعزيز الشفافية والإنصاف داخل الإدارة.
كما أن أن مرجعية الوظائف والكفاءات تمثل أداة متعددة الاستعمالات، حيث تساهم في تحديد البنية التنظيمية، وضبط الحاجيات من الموارد البشرية، وتحسين عمليات التوظيف عبر اختيار الكفاءات المناسبة لكل منصب. كما تتيح، إعداد برامج تكوينية ملائمة، وبناء مخططات استباقية لتدبير الموارد البشرية قائمة على تحليل دقيق للفجوات في الكفاءات.
كما تم التأكيد على أن اعتماد هذه المرجعية يندرج ضمن الورش الشامل لإصلاح منظومة العدالة، انسجاماً مع التوجيهات الملكية السامية ومقتضيات دستور 2011، الذي كرس استقلال السلطة القضائية وأعاد تحديد أدوار مختلف الفاعلين داخلها. وأن هذه التحولات أفرزت أدواراً جديدة لوزارة العدل، خاصة في ما يتعلق بتأهيل الإدارة القضائية والرفع من نجاعتها. كما أن المرحلة الراهنة تفرض تبني ثقافة تدبيرية جديدة تقوم على الكفاءة والنجاعة، قادرة على مواكبة التحولات الرقمية وتلبية انتظارات المواطنين. وتشكل لبنة أساسية لتحقيق هذا التحول، من خلال إرساء مبدأ وضع الشخص المناسب في المكان المناسب.
وفي الختام تم التأكيد على أن هذه المرجعية لا تقتصر على بعدها التقني، بل تعكس تحولا عميقا في الرؤية المؤسساتية لتدبير الموارد البشرية داخل قطاع العدل، إذ أنها تهدف إلى تحسين جودة الخدمات القضائية، وتعزيز ثقة المواطن، واستشراف تحديات المستقبل عبر اعتماد مقاربة استباقية.
وشهد اللقاء تفاعلاً لافتاً من طرف الحضور، الذي تميز بكونه وازناً ومتنوعاً، حيث ضم فاعلين في قطاع العدالة، وأطرا وموظفين بالإدارة القضائية، إلى جانب مهتمين بالشأن القانوني وأكاديميين متخصصين في مجالات تدبير الموارد البشرية والحكامة. وقد انخرط الحاضرون في نقاش غني ومسؤول، عكس مستوى الاهتمام الذي يحظى به موضوع مرجعية الوظائف والكفاءات، حيث تم طرح مجموعة من التساؤلات والمداخلات التي همت سبل تفعيل هذه الأداة على أرض الواقع، وتحديات تنزيلها، وآفاق تطويرها بما يستجيب لتحولات القطاع. كما أبرز هذا التفاعل الإيجابي وعي مختلف المتدخلين بأهمية الرأسمال البشري في إنجاح أوراش الإصلاح، وحرصهم على المساهمة في بناء إدارة قضائية حديثة وفعالة.




