شهد رواق وزارة العدل يومه السبت 9 ماي 2026 ، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب في دورته الحادية والثلاثين، تنظيم لقاء علمي خصص لموضوع: “المرصد الوطني للإجرام من رصد الظاهرة الاجرامية إلى تشكيل السياسات العمومية”. من تأطير السادة : ذة صوفنة بن يحيى رئيسة المرصد الوطني للإجرام وذة مليكة الإسماعيلي مكلفة بالمشاريع بمجلس أوروبا، والذي خصص لتسليط الضوء على أدوار واختصاصات المرصد الوطني للإجرام باعتباره إحدى الآليات الحديثة الداعمة لتطوير السياسة الجنائية الوطنية وتعزيز الحكامة الأمنية والقضائية المبنية على المعطيات العلمية والإحصائية الدقيقة.
وأبرز المتدخلون أن إحداث المرصد الوطني للإجرام يأتي تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية الواردة في الخطاب الملكي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب بتاريخ 20 غشت 2009، حيث أكد جلالة الملك على ضرورة اعتماد سياسة جنائية جديدة ترتكز على مراجعة القانون والمسطرة الجنائية ومواكبتهما للتحولات المتسارعة، من خلال إحداث آليات مؤسساتية متخصصة لرصد الجريمة وتحليلها واقتراح سبل الوقاية منها والتصدي لها، كما يشكل إحداث المرصد تجسيدا لتوصيات ميثاق إصلاح منظومة العدالة لسنة 2013، خاصة التوصية رقم 92، التي دعت إلى اعتماد أدوات حديثة لتتبع تطور الجريمة وتقييم نجاعة السياسات الجنائية العمومية.
وتم إحداث المرصد الوطني للإجرام بموجب المرسوم رقم 2.22.400 الصادر بتاريخ 18 أكتوبر 2022 المتعلق بتحديد اختصاصات وتنظيم وزارة العدل، قبل أن يتم تعزيز مكانته القانونية من خلال إدماجه ضمن مقتضيات قانون المسطرة الجنائية الجديد، في خطوة اعتبرت متقدمة على المستوى المقارن، بالنظر إلى محدودية عدد الدول التي تمنح لمراصد الإجرام إطارا تشريعيا مباشرا داخل قوانينها الجنائية.
ويضطلع المرصد الوطني للإجرام بجملة من المهام الاستراتيجية، في مقدمتها تجميع ومعالجة الإحصائيات الجنائية، وتحليل الظواهر الإجرامية، وتتبع تطور الجريمة على المستويين الوطني والمحلي، إلى جانب اقتراح حلول عملية للوقاية من الجريمة والتصدي لها، مع توفير قاعدة معطيات دقيقة تساعد صناع القرار على رسم سياسة جنائية ناجعة وفعالة.
كما يخول الإطار القانوني الجديد للمرصد إمكانية طلب المعطيات من مختلف السلطات القضائية والأمنية والإدارية، مع احترام الضوابط القانونية المتعلقة بسرية الأبحاث والتحقيقات، بما يعزز من فعالية التنسيق المؤسساتي في مجال مكافحة الجريمة.
وأكد المتدخلون خلال هذا اللقاء أن المملكة المغربية تعيش اليوم تحولا نوعيا في سياستها الجنائية، في ظل الأوراش التشريعية الكبرى التي أطلقتها الدولة، ومن بينها القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة، إضافة إلى المستجدات التي جاء بها مشروع قانون المسطرة الجنائية، والتي تروم ترشيد الاعتقال الاحتياطي، وتعزيز بدائل العقوبات السالبة للحرية، ودعم التأهيل وإعادة الإدماج.
وفي هذا الإطار، يراهن المرصد الوطني للإجرام على تطوير أدوات علمية دقيقة لقياس التكلفة الاقتصادية والاجتماعية للجريمة، من خلال مقاربات متعددة تشمل تحليل الكلفة حسب نوع الجريمة، ودراسة آثارها على الضحايا، وتقييم تدفقات منظومة العدالة الجنائية، بما يسمح بتوجيه الموارد العمومية نحو التدخلات الأكثر نجاعة.
كما يسعى المرصد إلى بناء شراكات مع الجامعات ومراكز البحث وكليات الحقوق وعلم الاجتماع، بهدف توظيف الدراسات الأكاديمية والخبرات العلمية في فهم التحولات الإجرامية واقتراح حلول واقعية ومستدامة، فضلا عن إعداد تقارير دورية ونشر المعطيات المرتبطة بتطور الجريمة.
وينتظر أن يشكل المرصد الوطني للإجرام، في المرحلة المقبلة، إحدى الركائز الأساسية لتحديث العدالة الجنائية بالمغرب، وتعزيز آليات التوقع والتحليل الاستباقي للظواهر الإجرامية، انسجاما مع المعايير الدولية والتوجيهات الملكية السامية الرامية إلى ترسيخ الأمن القانوني والقضائي وخدمة قضايا المجتمع.
وشهد حضورا غفيرا ومتنوعا ضم قضاة ومحامين وأساتذة جامعيين وطلبة باحثين وفاعلين حقوقيين ومهتمين بالشأن القانوني، وسط تفاعل إيجابي ونقاشات مستفيضة عكست أهمية الأدوار التي يضطلع بها المرصد الوطني للإجرام في مواكبة التحولات المجتمعية والأمنية، وتعزيز المقاربة العلمية في فهم الظاهرة الإجرامية والوقاية منها، بما يكرس انخراط المملكة في مسار تحديث منظومة العدالة وترسيخ حكامة جنائية قائمة على المعطيات والتحليل والتخطيط الاستراتيجي، في سياق الإصلاحات الكبرى التي تشهدها منظومة العدالة بالمملكة.





