القضاء في خدمة المواطن

WhatsApp Image 2026-05-09 at 20.46.43 (3)

في إطار فعاليات الدورة الحادية والثلاثين من المعرض الدولي للنشر والكتاب، نظم رواق وزارة العدل لقاءً علمياً متميزاً تحت عنوان: “أثر المستجدات القانونية على المنظومة الجنائية بالمغرب”، وذلك بحضور نخبة من الباحثين والمهنيين والمهتمين بالشأن القانوني والحقوقي. وأطر هذا اللقاء كل من السادة : ذ هشام ملاطي مدير الشؤون الجنائية والعفو ورصد الجريمة، وذة سعاد حميدي أستاذة باحثة بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، فيما تولت تسيير أشغال هذا اللقاء ذة صوفنة بن يحيى رئيسة المرصد الوطني للإجرام، حيث تم التطرق إلى أبرز المستجدات التشريعية التي تعرفها المنظومة الجنائية الوطنية، وانعكاساتها على السياسة العقابية وضمانات المحاكمة العادلة، في ظل التحولات المجتمعية والحقوقية الراهنة.

وأكد المتدخلون أن المنظومة الجنائية بالمغرب تشهد خلال السنوات الأخيرة دينامية إصلاحية غير مسبوقة، تجسدت أساساً في مراجعة عدد من النصوص القانونية المرتبطة بقانون المسطرة الجنائية والسياسة العقابية، وذلك في سياق وطني ودولي يفرض تحديث العدالة الجنائية بما ينسجم مع التحولات المجتمعية والتكنولوجية والحقوقية. وما أفرزته هذه الإصلاحات نقاشاً واسعاً بين الفاعلين القانونيين والحقوقيين حول مدى قدرة المستجدات القانونية على تحقيق التوازن بين حماية الأمن العام وضمان حقوق وحريات الأفراد.

ويأتي مشروع تعديل قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23 في مقدمة هذه الإصلاحات، باعتباره خطوة تشريعية تهدف إلى إعادة هيكلة الإجراءات الجنائية وفق تصور حديث للعدالة، قائم على تكريس المحاكمة العادلة وتعزيز الضمانات القانونية للمتقاضين. والتي أكد السيد وزير العدل بصددها أن المشروع يمثل “محطة نوعية واستثنائية في مسار تحديث المنظومة الجنائية الوطنية”، لما يتضمنه من مقتضيات تستجيب للمستجدات الدستورية والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب.

ومن أبرز الآثار الإيجابية لهذه المستجدات القانونية تعزيز حقوق الدفاع وتوسيع ضمانات قرينة البراءة، حيث نصت التعديلات الجديدة على عدم اعتبار الصمت اعترافاً ضمنيا، إضافة إلى تقوية الرقابة القضائية على إجراءات البحث والتحقيق، وهو ما يعكس توجهاً نحو ترسيخ العدالة الحقوقية وتقليص مظاهر التعسف أو الشطط في استعمال السلطة. كما تم توسيع بدائل الاعتقال الاحتياطي باعتباره إجراءً استثنائياً، بهدف الحد من الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية وتكريس مبدأ الحرية كأصل والاعتقال كاستثناء.

وفي سياق تطوير السياسة العقابية، برزت العقوبات البديلة كأحد أهم المستجدات القانونية التي حملتها الإصلاحات الجنائية الحديثة بالمغرب. ويقوم هذا التوجه على اعتماد بدائل للعقوبات السالبة للحرية، خاصة في القضايا والجنح البسيطة، من قبيل العمل لأجل المنفعة العامة، والمراقبة الإلكترونية، والتدابير التأهيلية أو العلاجية. ويهدف هذا النظام إلى الحد من الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، وتقليص الآثار السلبية للعقوبات الحبسية القصيرة المدة، مع تعزيز فرص إعادة إدماج المحكوم عليهم داخل المجتمع.

ويعكس اعتماد العقوبات البديلة تحولاً في فلسفة العدالة الجنائية بالمغرب، حيث لم يعد الهدف من العقوبة يقتصر على الردع والزجر فقط، بل أصبح يشمل الإصلاح والتأهيل وتحقيق التوازن الاجتماعي. وأكد المتدخلون أن هذا الورش القانوني من شأنه أن يساهم في بناء سياسة جنائية أكثر إنسانية وفعالية، خاصة مع توفير آليات عملية لتطبيق هذه العقوبات، من خلال إحداث أجهزة للمراقبة والتتبع وتوفير الإمكانيات البشرية والتقنية الكفيلة بضمان نجاحها.

وفي السياق ذاته، تم التأكيد أن التطورات الرقمية فرضت تحديات جديدة على السياسة الجنائية بالمغرب، خاصة مع تنامي الجرائم الإلكترونية والجرائم العابرة للحدود. وهو ما دفع المشرع المغربي إلى إدماج الوسائل التكنولوجية الحديثة ضمن الإجراءات القضائية، سواء من خلال رقمنة بعض المساطر أو اعتماد وسائل إلكترونية في التبليغ وتتبع الملفات الجنائية، بما يساهم في تسريع وتيرة البت في القضايا وتحقيق النجاعة القضائية.

كما شملت الإصلاحات القانونية تعزيز حماية الفئات الهشة، خصوصاً ضحايا الاتجار بالبشر والنساء والأطفال، عبر ملاءمة التشريع الوطني مع المعايير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان. ويبرز هذا التوجه في توفير آليات أكثر فعالية لحماية الضحايا والشهود، وتشديد العقوبات على الجرائم المرتبطة بالشبكات الإجرامية المنظمة.

وتمت الإشارة إلى ان النجاح في تنزيل هذه المستجدات التشريعية لا يمكن أن يقتصر على تعديل النصوص القانونية فقط، بل يشمل أمرا أخرى تتعلق بتأهيل الموارد البشرية وتكوين القضاة وأجهزة إنفاذ القانون، ونشر الثقافة القانونية داخل المجتمع. فالتشريع مهما بلغت جودته، يبقى محدود الأثر إذا لم يواكبه تطبيق فعال يواكب التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع المغربي.

وأشار المتدخلون أن هذه المستجدات القانونية، التي عرفتها المنظومة الجنائية بالمغرب تعكس توجهاً واضحاً نحو بناء عدالة جنائية حديثة، أكثر توازناً بين متطلبات الأمن واحترام حقوق الإنسان حريات الأشخاص.

وعرفت الندوة حضوراً جماهيرياً كبيراً ومتنوعا، عكس الأهمية المتزايدة التي يحظى بها موضوع إصلاح المنظومة الجنائية بالمغرب، حيث شارك فيها حقوقيون ورجال قانون وقضاة ومحامون وفاعلون جمعويون، إلى جانب أساتذة جامعيين وطلبة باحثين ومهتمين بالشأن القانوني والحقوقي. وساهم هذا التنوع في إثراء النقاش وفتح المجال أمام مقاربات متعددة تناولت مختلف أبعاد المستجدات القانونية وآثارها على العدالة الجنائية. كما تميز اللقاء بتفاعل إيجابي وعمق في النقاش، من خلال طرح تساؤلات ومداخلات عكست وعياً متزايداً بأهمية الإصلاح القانوني وضرورة تحقيق التوازن بين حماية الحقوق والحريات وتعزيز فعالية العدالة وسيادة القانون.

منشور له صلة

IMG-20260510-WA0009

إسدال الستار على فعاليات رواق وزارة العدل في الدورة الـ31 للمعرض الدولي للكتاب

إقرأ المزيد
WhatsApp Image 2026-05-09 at 20.46.43 (3)

أثر المستجدات القانونية على المنظومة الجنائية بالمغرب

إقرأ المزيد
IMG-20260509-WA0017

المرصد الوطني للإجرام.. آلية استراتيجية لتعزيز وتحديث السياسة الجنائية الحديثة بالمغرب

إقرأ المزيد