في سياق الدينامية الأكاديمية والدبلوماسية المتواصلة التي تعرفها قضية الصحراء المغربية، احتضن رواق وزارة العدل بالمعرض الدولي للنشر والكتاب في دورته الحادية والثلاثين، يومه السبت 2 ماي 2026 ، مائدة مستديرة علمية حول موضوع: “الحكم الذاتي في الصحراء المغربية: قراءة في القرار الأممي 2797“، شكلت محطة فكرية مهمة لإعادة تأكيد مركزية المقاربة المغربية داخل النقاش الدولي، في ظل التحولات التي يعرفها التعاطي الأممي مع هذا الملف.
وأطر هذه المائدة المستديرة نخبة من الأساتذة والخبراء، ويتعلق الأمر بالدكتور كمال الهشومي، أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة بجامعة محمد الخامس بالرباط؛ والدكتور العباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط والمدير العام للمجلة الإفريقية للسياسات العامة؛ والدكتور محمد بودن، الأستاذ المحاضر والخبير في الشؤون الدولية المعاصرة؛ والدكتور أمين السعيد، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية. بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس والدكتورة أمال بنبراهيم، أستاذة العلاقات الدولية والتواصل السياسي بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة،.
وأكد المتدخلون أن هذا القرار جاء في ظرفية دولية تتسم بتعاظم القناعة داخل المنتظم الدولي بأن تسوية هذا النزاع لا يمكن أن تتم إلا عبر حلول سياسية واقعية، عملية ودائمة، وهو ما يجعل مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 مرجعية أساسية في أي تصور جدي للتسوية، باعتبارها مبادرة تجمع بين احترام السيادة الوطنية وتدبير متقدم لشأن محلي موسع الصلاحيات.
وأن القرار الأممي 2797 يكتسي أهمية خاصة في هذا السياق، إذ يعكس استمرار تطور المقاربة الأممية نحو دعم الحل السياسي القائم على التوافق، ويؤكد في عمقه على ضرورة تجاوز الطروحات التقليدية التي لم تعد تستجيب للتحولات الجيوسياسية الراهنة. كما يعزز هذا القرار منطق الواقعية السياسية الذي أصبح يطبع بشكل متزايد تعاطي مجلس الأمن مع ملف الصحراء، في انسجام مع الرؤية المغربية التي جعلت من التنمية والاستقرار مدخلاً أساسياً لحل النزاع.
وأنه في سياق التحولات العميقة التي يعرفها التعاطي الدولي مع قضية الصحراء المغربية، يبرز القرار الأممي 2797 كمنعطف مهم في مسار النقاش داخل الأمم المتحدة، ليس فقط لكونه يؤكد على مركزية الحل السياسي الواقعي، بل لأنه يعكس في جوهره اتجاهاً متنامياً نحو ترسيخ مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الإطار الأكثر جدية ومصداقية وقابلية للتطبيق.
فهذا القرار، في قراءته السياسية والدبلوماسية، لا يكتفي بإعادة إنتاج مقاربات سابقة، بل يكرس بشكل واضح منطق “الحل التوافقي الواقعي”، وهو ما يفهم منه عمليا أن المنتظم الأممي بات يتجه نحو تجاوز الأطروحات غير القابلة للتنفيذ، لصالح رؤية تستند إلى الاستقرار والتنمية والتسوية النهائية. وبهذا المعنى، يمكن اعتبار القرار 2797 خطوة إضافية في اتجاه تثبيت مرجعية الحكم الذاتي كإطار وحيد ذي مصداقية سياسية داخل الأمم المتحدة.
كما أن هذا التحول لا يمكن فصله عن التطور الواضح في مواقف عدد من القوى الدولية المؤثرة، حيث أصبح دعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية يحظى بقبول متزايد لدى دول كبرى وفاعلة في صناعة القرار الدولي، بالنظر إلى انسجامها مع منطق الاستقرار الإقليمي ومكافحة بؤر التوتر، إضافة إلى كونها مبادرة تجمع بين الواقعية السياسية وضمان الاستمرارية المؤسساتية للدولة.
وفي هذا السياق، أبرز الحاضرون الدور المحوري الذي تضطلع به الدبلوماسية المغربية، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، الذي جعل من قضية الصحراء أولوية استراتيجية قائمة على التحرك الاستباقي، وبناء التحالفات، وتوسيع دائرة الدعم الدولي للموقف المغربي. فقد نجحت هذه الدبلوماسية، خلال السنوات الأخيرة، في تحويل ملف الصحراء من نزاع تقليدي داخل أروقة الأمم المتحدة إلى ملف تحظى فيه المبادرة المغربية باعتراف متزايد وازن داخل المنتظم الدولي.
كما أن الرؤية الملكية لهذا الملف لم تقتصر على البعد الدبلوماسي فقط، بل ارتكزت على مقاربة شمولية تربط بين التنمية والاستقرار والسيادة الوطنية، وهو ما جعل الأقاليم الجنوبية تتحول إلى نموذج تنموي متقدم، يعزز مصداقية الطرح المغربي على المستوى الدولي، ويجعل من الحكم الذاتي ليس مجرد تصور سياسي، بل مشروعاً واقعياً مدعوماً بالإنجازات الميدانية.
كما أنه من الناحية التحليلية، يمكن القول إن القرار الأممي 2797 يعكس انتقالاً تدريجياً في فلسفة الأمم المتحدة من إدارة الأزمة إلى البحث عن تسوية نهائية، وهو ما ينسجم مع المقاربة المغربية التي تؤكد منذ البداية أن الحل الوحيد الممكن هو حل سياسي تفاوضي قائم على الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية.
وعليه، فإن تزايد الدعم الدولي لهذا الطرح، إلى جانب التحول في لغة القرارات الأممية، يعكس أن مسار التسوية بات أكثر وضوحاً، وأن مبادرة الحكم الذاتي المغربية أصبحت اليوم الإطار المرجعي الأكثر حضوراً داخل النقاش الأممي، باعتبارها تجمع بين الشرعية السياسية، والواقعية القانونية، والجدوى الميدانية.
ويأتي هذا التطور نتيجة مباشرة لعمل دبلوماسي متواصل تقوده المملكة، قائم على رؤية استراتيجية متكاملة جعلت من قضية الصحراء ملفاً يُدار بمنطق الفاعلية والنتائج، لا بمنطق الجمود، وهو ما يعزز موقع المغرب كفاعل استراتيجي موثوق به في محيطه الإقليمي والدولي.
وعرف اللقاء تفاعلات نوعية من الجمهور ،همت شهادات لصحفيين مغاربة وأجانب ،ومن ضمنهم الصحفي المصري عماد فواز الذي قدم شهادة حية أغنت موضوع اللقاء، مستحضرا عصارة إصداره الحديث العهد “قالت لي الصحراء المغربية “.
وتميز اللقاء بمساهمة ملحوظة لطلبة العلوم السياسية والديبلوماسية والذين وجدوا في تنظيم وزارة العدل لهذا النشاط فرصة سانحة لمناقشة أهل التخصص حول الحكم الذاتي في الصحراء المغربية ،وخاصة من خلال جوانبه العملية المرتبطة بالتنزيل.
وشهدت جنبات الرواق أيضا التفاف المنابر الإعلامية على بعض الوجوه البارزة التي حجت ضيفة للقاء لتجري معها حوارات على هامشه.








