جرت بمدينة مراكش، خلال الفترة الممتدة من 9 إلى 11 يونيو 2026، أشغال المنتدى الثاني للمدعين العامين المتخصصين في قضايا الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، الذي ينظمه مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، بدعم من الاتحاد الأوروبي وبشراكة مع اللجنة الوطنية لتنسيق إجراءات مكافحة الاتجار بالبشر والوقاية منه، في إطار مشروع “تعزيز العمل والتعاون على المستوى العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين”.. وتحتضن المملكة المغربية هذا الحدث الدولي تأكيداً لالتزامها الراسخ بتعزيز التعاون الدولي والإقليمي في مجال مكافحة الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، وترسيخ التنسيق بين مختلف الفاعلين المعنيين بالتصدي لهذه الجرائم العابرة للحدود.
ويأتي احتضان المملكة المغربية لهذا المحفل الدولي الرفيع تأكيداً لالتزامها الراسخ بتعزيز التنسيق والتعاون الدولي والإقليمي للتصدي للجرائم المنظمة العابرة للحدود. كما يشكل المنتدى امتداداً للنجاح الذي حققته النسخة الأولى المنعقدة في فيينا عام 2024. وتشهد هذه الدورة مشاركة واسعة النطاق لـنحو 60 من المدعين العامين والمسؤولين القضائيين يمثلون مكاتب النيابة العامة والسلطات المركزية من 58 دولة عبر مختلف القارات، إلى جانب نخبة من الخبراء وممثلي المنظمات الدولية والإقليمية الشريكة.
افتتحت أشغال المنتدى بكلمة افتتاحية للسيد هشام البلاوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض رئيس النيابة العامة، أكد فيها على أن المملكة المغربية جعلت من مكافحة الاتجار بالبشر وحماية الضحايا خيارًا استراتيجيًا ينسجم مع التزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، من خلال تطوير المنظومة القانونية والمؤسساتية وتعزيز آليات الحماية والمواكبة والتكفل بالضحايا، بما يضمن صون حقوقهم وكرامتهم.
كما استعرض الجهود التي تبذلها رئاسة النيابة العامة في هذا المجال، والتي تشمل تعزيز تخصص قضاة النيابة العامة في قضايا الاتجار بالبشر، وإحداث شبكة للنواب المكلفين بتتبع هذه الملفات، وإصدار دوريات تروم توحيد الممارسة القضائية، فضلاً عن تطوير أدوات عملية تسهم في تحسين معالجة القضايا وضمان حماية فعالة للضحايا.
وفي هذا الإطار، أبرز المتحدث النتائج الإيجابية التي تحققت خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع عدد الإجراءات الحمائية المتخذة لفائدة ضحايا الاتجار بالبشر من 55 إجراءً سنة 2022 إلى 400 إجراء خلال سنة 2025، وهو ما يعكس نجاعة السياسة الحمائية التي تنهجها رئاسة النيابة العامة والتطور المتواصل في آليات التكفل بالضحايا.
وفي ختام كلمته، أكد السيد رئيس النيابة العامة أن التصدي الفعال لجرائم الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين يظل رهينًا بتعزيز التعاون القضائي الدولي، وتبادل المعلومات والخبرات، وتنسيق الجهود الرامية إلى تفكيك الشبكات الإجرامية العابرة للحدود ومكافحة الإفلات من العقاب، بما يكرس حماية الكرامة الإنسانية ويعزز قيم العدالة والأمن والاستقرار.
وفي مستهل كلمة السيد وزير العدل، التي ألقاها نيابة عنه السيد عبد الرحيم مياد، الكاتب العام لوزارة العدل، تم التأكيد على أن هذا اللقاء، يشكل مناسبة على قدر كبير من الأهمية لتعزيز العمل والتعاون على المستوى العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، في سياقات دولية تتسم بارتفاع مطرد لمعدلات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، حيث أن الاتجاهات الجديدة والأساليب التي تستخدمها الجماعات الإجرامية في استغلال ضحايا الاتجار بالبشر زادت من ضرورة وضع استراتيجيات أكثر كفاءة وفعالية في ردع المجرمين وتفكيك الشبكات الإجرامية التي تستغل الأشخاص خاصة الفئات الهشة كالنساء والأطفال، مع التركيز على حماية ومساعدة ضحايا الاتجار بالبشر والمهاجرين المهربين.
وأضاف السيد الوزير أن من أبرز ما يميز التحول الذي عرفه التفكير الدولي حول مكافحة الاتجار بالبشر خلال السنوات الأخيرة، هو الانتقال من المقاربة الجنائية الكلاسيكية المرتكزة على الأشخاص، إلى مقاربة شاملة تستهدف العصب الاقتصادي للجريمة المنظمة. فقد أثبتت التجارب الدولية أن تفكيك شبكات الاتجار بالبشر لا يكتمل إلا بتجفيف منابعها المالية، عبر التحقيقات المالية الموازية، وتتبع التدفقات النقدية والرقمية، وحجز وتجميد ومصادرة عائدات الجريمة، وإعادة توظيفها لفائدة الضحايا.
واختتم السيد الوزير كلمته بالتأكيد على أن التصدي ومكافحة الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين مسؤولية جماعية، تقتضي تعزيز قنوات العمل والتعاون الدولي المستدام والمسؤول، باعتباره الآلية الوحيدة الكفيلة بالتصدي للمد الإجرامي المنظم وللشبكات الإجرامية العابرة للحدود الوطنية؛ على أمل أن تشكل توصيات منتدى مراكش لبنة فعلية في بناء مجتمع ممارسة دولي للمدعين العامين المتخصصين، ترفد توصياته أشغال آلية استعراض تنفيذ اتفاقية باليرمو والدورات القادمة للجنة الأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية بفيينا.
إثر ذلك ألقى السيد إلياس شاتزيس، رئيس فرع الجريمة المنظمة بمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة بفيينا، أشار فيها إلى أن الجريمة المنظمة المرتبطة بالاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين شهدت تطورًا مقلقًا على المستوى العالمي، حيث أصبحت الشبكات الإجرامية أكثر قدرة على استغلال الفئات الهشة وتحقيق أرباح غير مشروعة عبر الحدود، مع تزايد حالات الاستغلال القسري واستهداف الأطفال.
وأضاف المتحدث أن التداخل المتزايد بين الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين والجرائم السيبرانية والجرائم المالية يفرض تحديات جديدة، خاصة مع استخدام التكنولوجيا في عمليات الاحتيال والاستغلال، مما يستدعي تعزيز التعاون الدولي وتسريع تبادل المعلومات والأدلة الإلكترونية، وإشراك القطاع الخاص وشركات التكنولوجيا في جهود المكافحة.
مشددا على أن مواجهة هذه الظواهر لا يمكن أن تتم بشكل منفرد، بل تتطلب استجابة دولية منسقة وتطوير آليات التعاون القضائي والأمني بما يواكب التحولات الرقمية، مع التأكيد على التزام مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة بدعم الدول وتبادل أفضل الممارسات من أجل الحد من معاناة ضحايا الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين.
واختتمت الجلسة الافتتاحية بكلمة السيدة ديان شميت، منسقة الاتحاد الأوروبي لمكافحة الاتجار بالبشر، أكدت فيها أن تزايد استغلال الضحايا بشكل عابر للحدود واعتماد الشبكات الإجرامية المنظمة على التكنولوجيا والفضاء الرقمي لإخفاء أنشطتها وتحقيق أرباح غير مشروعة أضحى أبرز عائق أمام الجهود الدولية، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي جعل مكافحة ظاهرتي الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين أولوية استراتيجية، من خلال إعداد استراتيجية أوروبية جديدة لمكافحة الاتجار بالبشر وتعزيز التحالف العالمي لمكافحة تهريب المهاجرين الذي يضم أكثر من 60 شريكًا دوليًا.
واستعرضت المنسقة الجهود العملية المبذولة على المستوى الأوروبي والدولي، مبرزة أن المؤتمر الدولي الثاني للتحالف العالمي لمكافحة تهريب المهاجرين، المنعقد سنة 2025، شهد مشاركة أكثر من 500 مشارك و90 وفدًا من خمس قارات، كما خصص الاتحاد الأوروبي استثمارات بقيمة 340 مليون يورو لدعم برامج مكافحة الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين في إفريقيا جنوب الصحراء وآسيا وأمريكا اللاتينية والكاريبي، منها 73.5 مليون يورو خلال سنة 2025 وحدها، لدعم تدريب المحققين والمدعين العامين، ومساندة الضحايا، وتفكيك الشبكات الإجرامية.
وشددت في ختام كلمتها على أن فعالية التصدي لهذه الجرائم تقتضي تحديث التشريعات الوطنية بما ينسجم مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة وبروتوكولاتها، وتعزيز التعاون القضائي والأمني العابر للحدود، وتطوير استخدام الأدلة المالية والرقمية واعتماد مبدأ “تتبع الأموال” لتجفيف مصادر التمويل الإجرامي، إلى جانب توظيف الذكاء الاصطناعي والتحليلات الرقمية والتعاون مع القطاع الخاص لمواجهة الأساليب المتطورة التي تعتمدها الشبكات الإجرامية، بما يضمن ملاحقة الجناة وحماية الضحايا وتحقيق عدالة أكثر فعالية.
وقد شكل المنتدى منصة عملية لتبادل الممارسات الفضلى والخبرات بشأن أحدث أنماط ووسائل الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، مع التركيز على القضايا المرتبطة بالمساعدة القانونية المتبادلة، والتحقيقات المالية، والأبعاد الرقمية لهذه الجرائم، إضافة إلى مناقشة التحديات التي تواجه أجهزة إنفاذ القانون والسلطات القضائية.
إثر ذلك خلص المنتدى إلى مجموعة من التوصيات العملية الرامية إلى تعزيز التعاون الدولي ورفع فعالية الملاحقة القضائية في قضايا الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، ويمكن إجمالها فيما يلي:
– تعزيز التعاون الدولي وتبادل المعلومات من خلال إنشاء قاعدة بيانات عالمية لنقاط اتصال المدعين العامين المتخصصين، وربط الشبكات الإقليمية للنيابات العامة وأجهزة إنفاذ القانون، وتشجيع التواصل غير الرسمي بين الممارسين قبل إطلاق آليات التعاون الرسمية.
– تطوير التنسيق القضائي والعملياتي عبر إشراك أجهزة إنفاذ القانون والنيابات العامة والسلطات القضائية منذ المراحل الأولى للتحقيقات العابرة للحدود، ووضع آليات واضحة لتوزيع الاختصاصات بين الدول، وتعزيز استخدام فرق البحث المشتركة والمساعدة القضائية المتبادلة.
– تعزيز حماية الضحايا من خلال الحد من تكرار الاستجوابات، والاستعانة بالخبراء النفسيين، وإنشاء منصات إقليمية لتحديد هوية الضحايا وإحالتهم إلى خدمات الحماية والمساعدة القانونية وإعادة الإدماج، مع إيلاء اهتمام خاص للمهاجرين الأكثر هشاشة.
– إدماج البعد المالي والرقمي في التحقيقات عبر تتبع التدفقات المالية، والاستفادة من أدوات تبادل المعلومات مثل goAML، وتعزيز قدرات المدعين العامين والمحققين في مجال الجرائم الإلكترونية والعملات المشفرة، وإنشاء منصات متعددة اللغات للإبلاغ عن المحتوى غير المشروع.
– تكثيف التعاون مع القطاع الخاص وشركات التكنولوجيا للحصول على الأدلة الرقمية في وقت مبكر، والاستفادة من آليات الإفصاح الطوعي عن المعلومات لدعم التحقيقات وملاحقة الشبكات الإجرامية.
– تعزيز الوعي والوقاية من خلال تنظيم حملات توعوية في المدارس والمجتمعات حول السلامة الإلكترونية ومخاطر الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، إلى جانب رفع وعي صناع القرار باستخدام المجرمين للتقنيات الحديثة والعملات المشفرة.
– سد الثغرات القانونية وتعزيز المساءلة عبر التوسع في تطبيق مبدأ “سلم أو حاكم”، والاستفادة من أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة بشأن فرق البحث المشتركة والتبادل التلقائي للمعلومات، بما يضمن عدم إفلات الجناة من العقاب.
– ضمان استدامة التعاون الدولي من خلال تنظيم منتدى دولي ثالث للمدعين العامين وإنشاء فروع إقليمية تعزز تبادل الخبرات والتنسيق المستمر بين الجهات المختصة.
كما سعى المشاركون إلى بلورة مقترحات عملية لتعزيز التنسيق بين الدول وتطوير آليات التعاون العابر للحدود، بما يساهم في تفكيك الشبكات الإجرامية المنظمة، وحماية ضحايا الاتجار بالبشر والمهاجرين المهربين، وتعزيز العدالة الجنائية وفقاً للمعايير الدولية ذات الصلة.
ويُنتظر أن يساهم المنتدى في ترسيخ مجتمع عالمي من الممارسين والمتخصصين في مجال مكافحة الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، وتعزيز التواصل المستدام بينهم على المستويين الإقليمي والدولي، بما يدعم الجهود المشتركة الرامية إلى مواجهة هذه الجرائم وحماية حقوق الإنسان وسيادة القانون.







